الرئيسية / اقلام و اراء / معرفة الله.

معرفة الله.

المواطنة المغربية : د. مخمد الصفاح.

كثر هم الناس إن سئلوا عن الله لايحملون جوابا إما جهلا او جحودا, وإن ردوا , فإن الرد يكون سقيما , تعتريه فجوات تتسرب من خلالها إشارات تنطق بالجهل وقلة الإحاطة والعلم والمعرفة. ولعمري إنه لشيء شنيع وقبيح ومذموم في حق الذات الإلهبة المقدسة.ولعل القارئ الفاضل وهويواكب ما انا بصدد تسطيره من كلمات عطرة في شان معرفة الله , يتحرك ويجول في خلده وخاطره سؤال ما الله؟ وهذا ليس من باب الجهل بالله عز وجل, ولكن من جهة الرغبة في المزيد من العلم والمعرفة. والجواب عن هذا السؤال العظيم ورد في قوله تعالى:(إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثينا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بامره الا له الخلق والامر تبارك الله رب العالمبن ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لايحب المعتدين ولاتفسدوا في الارض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين ) 1 ولعظمة هذا السؤال فقد طرح من قبل فرعون على نبي الله موسى واخيه هارون عليهما السلام, إذ قال من ربكما باموسى؟ فاجاب موسى قائلا:( ربنا الذي اعطى كل شيء خلقه ثم هدى) فقال فرعون(فما بال القرون الاولى) فقال موسى(علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي ولا ينسى).إن الاسئلة المرتبطة بالله عز وجل وحقيقته كانت ومازالت اسئلة جوهرية , استبدت بالإنسان, فتمسك بها وظل عقله يجري وراءها بهدف الوصول إلى الحقيقة ,مادامت اسئلة ذات بعد وجودي صميم يرتبط بحقيفة الإنسان فيما يخص الخلق وما يتعلق به من قضايا ذات ابعاد متعددة.وقد تولدت هذه الاسئلة من ارحام افكار ذات مرجعيات مختلفة, إذ كل فكر يسعى ويرغب بطرقه الخاصة ,للوصول إلى حقيقة الله عز وجل.ومن خلال التامل والبحث والتقصي ,ادرك ارباب العقول والنظر ان الله عز وجل هو رب الإنسان وخالقه ,وذات مقدسة موجودة ,لها تجليات كونية ظاهرة تدركها العقول والابصار, لامجال للشك فيها وإنكارها .إن هذه الاسئلة التي تزاحمت بها العقول بالامس واليوم قادت الإنسان ,وبعد عناء وحيرة وقلق ,ان يقر بوجود الله, فوقع الإجماع او شبهه ان الله موجود , لايحيط بحقيقة وجوده ريب او شك.والجذير بالذكرفي هذا السياق , ان هذه العقول تنقسم إلى فئتين اثنتين:
1- فئة مؤمنة إيمانا قويا بوجود الله .
2- فئة مؤمنه بالله وعلى علم به, اي انها على معرفة به. ورب سائل يتساءل عن الفرق بين الإيمان بالله , ومعرفة الله. فالإيمان يفيد الإقتناع العقلي بالشيء والتسليم بحقيقة وجوده.فالإنسان على سبيل المثال , يؤمن يقينا وقطعا بحقيقة وجود الشمس ,لانها مدركة بصريا , اي انها ماثلة وظاهرة امام بصره في كبد السماء, ترسل ضوءا وحرارة مدركين حسيا,إلا انه لا يملك معرفة عن الشمس وما يتعلق بها من حقائق ذات ابعاد مختلفة ومتعددة.فاما المعرفة, فهي الإحاطة بحقائق ودقائق الشيء.وعلى هذا الاساس ,فإن العقل المؤمن يختلف عن العقل العارف. فالعقل المؤمن يؤمن بالله ولكن لايدرك حقيقته حق المعرفة والإدراك. لذلك قال عز وجل: (ماقدروا الله حق قدره).اما العقل العارف فقد ارتقى إلى مرتبة إدراك حقيقة الذات الإلهية. وهنا تكمن ازمة العقول غير العارفة التي لم تنل شرف ونبل معرفة الله. إن لله اقواما قال فيهم: (وإذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم اياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون اولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم)2.إن هذا القول الإلهي الكريم وصف دقيق لبعض صفات العارفين بالله , وثناء عليهم , وهي صفات لايتحلى بها إلا اهل الإيمان الحق ,وانعم بهاو اكرم من صفات , إنها حقا, صفات الفوز والفلاح والنجاة.ولتوضيح بعض من معاني شرف حقيقة معرفة الله ساسوق لك ايها القارئ الفاضل مثالا او نورا من انوار القران الكريم يبين لك ويقرب عقلك وجنانك من حقيقة وقيمة واهمية معرفة الله سبحانه وتعالى, وذلك اعتمادا او انطلاقا من مضامين قصة النزال الذي وقع بين موسى واخيه هارون عليهما السلام , وسحرة فرعون. وذلك عقب لقاء جمع بين النبي موسى واخيه هارون عليهما السلام,وفرعون ,بامر من الله , قصد دعوته إلى الحق .يقول الله عز وجل مخاطبا موسى واخاه هارون: (إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر او يخشى)3 .فقال فرعون: (اجئتنا لتخرجنا من ارضنا بسحرك ياموسى فلناتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لانخلفه نحن ولاانت مكان سوى)4.فالتقى موسى بسحرة فرعون في الزمان والمكان المحددين سلفا.فقال السحرة بنبرات استعلائية يتوق اربابها المستسخرون تحقيق فوز يشهده الجمع: (ياموسى إما ان تلقي وإما ان نكون اول من القى).قال: (بل القوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليهم من سحرهم انها تسعى فاوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لاتخف إنك انت الاعلى والق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث اتى فالقي السحرة سجدا قالوا امنا برب هارون وموسى قال امنتم به قبل ان اذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحرفلا اقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف ولاصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن اينا اشد عذابا وابقى قالوا لن نوثرك على ماجاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ماانت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا امنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما اكرهتنا عليه من السحر والله خير وابقى)5. هذا ويمكن تقسيم هذه الايات الكريمات إلى ايات المنازلة الواقعة بين سلطتين:
1سلطة سحرة فرعون:الذين يستمدون قوتهم من صاحب السلطة في البلاد , وراسها, فرعون.وقد بدوا مطمئني النفوس واثقين من إفحام خصمهم الضعيف موسى.وذلك بفضل مايتوفرون عليه من سحر عظيم, لاقبل لموسى به و بكيده. وتتجلى قوة السحرفي قوله تعالى: (واوجس في نفسه خيفة موسى).
2سلطة الله: إذ بعد إحساس موسى بالخوف اوحى الله عز وجل إليه انه هو المنتصر والاعلى.
-وايات النصر والهزيمة:اي انتصارموسى بمدد وعون من الله, السلطة العليا , وانهزام سلطة فرعون وسحرته. وللإشارة فإن مضامين هذه الايات تقوم على الاسس الدلالية المفاتيح الاتية:
*الصراع.
* خوف موسى وارتباكه .
*اطمئنان موسى بعد الوحي.
*استسلام السحرة وإذعانهم للحق.
* غضب ووعيد فرعون.
ويعد استسلام السحرة وإذعانهم للحق هو جوهر البناء المضموني في البنية النصية الكريمة باعتباره الهدف الذي ينبغي إدراكه عقلا وفقهه وجدانا وجنانا. وقد بدا هذا الهدف واضحا في المشهد الذي رسمه السحرة بفعل وحقيقة السجود.إذ كيف لسحرة تربوا في حجر فرعون وتعلقت قلوبهم به رغبة ورهبة ,والفت واعتادت رقابهم على الخضوع لعزة فرعون وجبروته ان يسجدوا علانية وامام الجمع لإله موسى دون اكتراث لوعيد فرعون وترهيبه.اسمع ايها القارئ الفاضل ردهم الصريح على غضب فرعون ووعيده: (لن نوثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ماانت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا امنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما اكرهتنا عليه من السحر والله خير وابقى). إن هذا الكلام نبع من افئدة ادركت يقينا وبعمق حقيقة معرفة الله , وذلك من خلال تجلي صفة واحدة من صفات الله العليا , الا وهي القوة غير المعهودة لدى سحرة علماء , التي حولت العصا إلى افعى التهمت حبالهم وعصيهم , وهو فعل معجز ليس من صنع البشر, بل من وحي إله جبار , قوي, فامنوا به وسجدوا له. ولو لم يدركوا حق الإدراك حقيقة معرفة الله لما خذلوا إلههم فرعون ,لاسيما وان السحرة اهل علم . يقول الله عز وجل في سياق الإعداد للمنازلة بين فرعون وموسى : (وابعث في المدائن حاشرين ياتوك بكل ساحر عليم).إن ازمة الإنسان اليوم , ليست ازمة إيمان, ولكن ازمة معرفة الله. وبمعنى اوضح , فالإنسان المؤمن اليوم لم يفلح لاسباب متعددة , في معرفة الله, وإليه يعزى اضطراب حياته النفسية والإجتماعية , واستفراد سحر وسحرة الحياة الدنيا به, مما جعل حياته نفقا او انفاقا مظلمة, لاسبيل لتبديد ظلمتها إلا بنور معرفة الله.فحين يعرف الله حق معرفته , تستقيم الحياة, وذلك بعد ان تستقيم الانفس والافئدة والعقول , كما استقامت عقول السحرة , بعيد ان خرجت من ظلمات الغي إلى انوار الرشد الساطعة من شمس معرفة الله عز وجل.
يقول احد السلف الصالح: (اعرف الله يعرفك, واعرف الله في الدنيا قبل ان تعرفه في الاخرة ). ويقول اخر: (إن معرفة الله وقاية لك من الغم وانفراج للهم وعصمة لك من الظلم وانشراح صدرك وذهاب غيظك وهزيمة شيطانك ونور لك في الدنيا والاخرة إن اسرار معرفة الله كثيرة وفضائلها غزيرة لايعرفها إلا اللبيب الذي احبه الحبيب ومن اقترب من الحبيب انكشف له السر العجيب ففز بمعرفة الحبيب قبل حلول اليوم العصيب يوم الحر واللهيب يوم لاينفع مال ولاقريب ولا يشفع لك حبيب إلا بشفاعة الحبيب حين ياذن الحبيب)
1 سورة الاعراف : اية 58
2 سورة الانفال:اية: 2-3
3 سورة طه:اية:42-43
4 سورة طه:اية:56-57
5 سورة طه:اية:64-72

عن jamal

شاهد أيضاً

المتهور في السياقة يتسبب في حوادث خطيرة

المواطنة المغربية : بوشتى جد لاحديث بين الناس وداخل الاوساط الإعلامية إلا عن فيروس كرونا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *