الغيرة

المواطنة المغربية : الطيبي صابر

لغيرة أفكار، وأحاسيس وتصرفات تحدث عندما يعتقد الشخص أن علاقته القوية بشخص ما تتهدد من قبل طرف آخر منافس، وهذا الطرف الآخر قد يكون مدركا أو غير مدرك أنه يشكل تهديدا. إن الحب مشاعر إيجابية وحالات عاطفية وعقلية قوية التأثير، تتراوح بين أسمى الأخلاق الفاضلة وأبسط العادات اليومية الجيدة. إنها مشاعر مختلفة ؛ فحب الأم يختلف عن حب الزوج ، ويختلف عن حب الطعام… ولكن بشكل عام يشير الحب إلى شعور الانجذاب القوي والتعلُّق العاطفي.
والمشاعر تُؤثر على الأجساد ؛ فالقلَق يؤثر على الشّهية ، والخوف والغيرة يؤثران على نبضات القلب ، والحرمان يولد الاكتئاب…
وصفة الغيرة ثابتة لله تعالى بصحيح السنة ، لكن على وجه يليق به سبحانه ، لا يماثل فيه البشر. إن الغيرة تحرك إحساسا من جنون واشتعال نار دون تصنع أو تمثيل..!! ، هي احتراق الحرف ، وغياب يغتصب القلم ، وحيرة ألم صامت… من لا يغار أثناء الغياب ويحتار ، فهو بعيد عن العقل والقلب والأحاسيس..! والغيرة أن يصمت القلب وتنطق كل الجوارح غضبا…هي نار تحرق..و كُره يمتلك.. وأنانية تستبد بالإنسان… عندما تغار الأنثى يسكن جوفها شيطان غريب..فإذا رأيت تلك تلك الغيرة ، اصمت ، فعيناها ستحكي لك كل شيء بالتفصيل دون أن يتحرك لسانها.
والغيرة أنواع : بين الأصدقاء عند خوف أحدهم من فقدان صديقه بسبب دخول طرف ثالث لعلاقة الصداقة التي تجمعهما . وتظهر عند التنافس الأخوي حيث تحصل بين الأشقاء من جميع الأعمار، وتتجلى بينهم نتيجة لمقارنتهم وتنافسهم في الحصول على اهتمام وحنان الوالدين ورغبتهم في ذلك ، والمنافسة بينهم لتحقيق المزيد من الإنجازات سواء مدرسيا أو مهنيا…قال تعالى: ((لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا.)) صدقاللهالعظيم. وفي العمل بين الموظفين حول حصول بعضهم على الترقيات أوزيادات في الرواتب أو غيرها من القضايا المتعلقة بالعمل. والغيرة الرومانسية وهي أكثر أنواع الغيرة حدوثا بين الأفراد، وتعتبر السبب الأول لحدوث الخلافات والمشاكل بين الأحباب ؛ وذلك نتيجة للروابط العاطفية القوية التي تعرض أصحابها لتحطم القلوب. وقد أثبتت بعض الدراسات أن مشاعر الخوف وعدم الأمان والضعف تزول عند دخول الشخص في علاقة عاطفية ووقوعه في الحب، لذلك عند شعوره بوجود أي تهديد للعلاقة حتى لو كان هذا التهديد ناجما عن رؤية شخص ثالث أكثر جاذبية تعود لديه مشاعر الشعور بعدم الأمان وتتحول لمشاعر انتقام. قال بعض الغيورين :
وأدعو الله سراً يزيلك من عيون غيري. وقال آخر :
أغار عليها من ابيها و أمها إذا حدثاها بالكلام المغمغم وأحسد كاسات تقبل ثغرها !
وقال بعضهم:
أود أن أطلق عليك إشاعة كبيرة لكي لا يقترب منك البشر !.
وقال غيور آخر :
أود أن ألقي عليك تعويذة عشق تخفيك عن كل من حولك و تبقيني وحدي لك…
أما آخر فقال :
تقتلني فكرة أن غيري يقرؤك في سطوري فيتخيل جمالك فيقع إعجابا بِفخ حبك.
وقال رجل عن غيرة امرأة :
أخبرتها في إحدى المرات أني أحب فساتينها فغارت منها .
لكن عندما تمتزج الغيرة بالكبرياء تصبح الحال كمن يبتلع جمرا وهو يضحك..! تصبح سكينا في منتصف القلب ، نارا تحتها نار ، وحملا فوقه حمل ! تكره ناسا ليس بينك وبينهم أي علاقة سابقة من قبل فقط لأنهم حاولوا الاقتراب ممن تحب..!! على اعتبار أن الحب الذي لا تصاحبـه غيرة ليس حبا، وأن الخوف من الفراق والفقد هو الحب الصادق !.
إن الغيرة في الحب كالماء للوردة ، قليله ينعش ، و كثيره يقتل. وهناك مثل هندي يقول : ولد الحب في ليلة ربيع قمراء، وولدت الغيرة في ليلة شتاء ظلماء . ومن هنا كانت الغيرة خلـقـا يمدح به الرجال والنساء.فقد قال الشاعر مفتخرا بالغيرة :
ألسنا قد عَلِمَتْ معـدٌ غداةَ الرّوعِ أجدرُ أن نغارا
وباسم الغيرة وحب التملك ، شبه أحدهم غيرته بغريق بين نسمات جهنم يحترق ويموت ألف مرة !.ولا يمكن الجزم بأن النساء تتملكهن الغيرة أكثر من الرجال، فالإحساس بالغيرة شعور فطري يوجد لدى النساء والرجال على حد سواء ، وأكثر ما تكون مظاهرها واضحة في إطار العلاقة العاطفية. غير أن الغيرة بين الأحباب نوعان : غيرة ممدوحة يحبها الله ، وغيرة مذمومة يكرهها الله ، فالتي يحبها الله : أن يغار المرء عند قيام الرِّيبة. والتي يكرهها : أن يغار من غير رِيبة ، بل من مجرد سوء الظن ، وهذه الغيرة تفسد المحبة ، وتوقع العداوة بين المحب ومحبوبه.
ومما ورد في الإسلام عن الغيرة ، أن البخاري ومسلم رويا عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا أحد أغيَر من الله عز وجل، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه ورواه البخاري ومسلم – واللفظ له – عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : ” قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرُ مُصْفِحٍ عَنْهُ .فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ فَوَاللهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَالله أَغْيَرُ مِنِّي مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ). وقال ابن القيم رحمه الله :
” … وَلِهَذَا كَانَ الدَّيُّوثُ أَخْبَثَ خَلْقِ اللهِ، وَالْجَنَّةُ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ مُحَلِّلُ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ لِغَيْرِهِ وَمُزَيِّنُهُ لَهُ، فَانْظُرْ مَا الَّذِي حَمَلَتْ عَلَيْهِ قِلَّةُ الْغَيْرَةِ.”.
هكذا تكون الغيرة التي تليق بالبشر خلقا نجيبا جبل عليه الإنسان السوي الذي كرمه ربه وفضله ، وهي في موطنها والاعتدال فيها بالنسبة للرجال والنساء من الخصال المحمودة.

عن jamal

شاهد أيضاً

التشرميل آراء واقتراحات الجزء الرابع.‎

المواطنة المغربية : الطيبي صابر قانونيا يستوجب الأمر إعادة النظر في الفصل 400 من القانون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *