الرئيسية / اقلام و اراء / الطرق واتجاهات المدن

الطرق واتجاهات المدن

المواطنة المغربية بقلم : محمد حسيكي

حين يتفحص المتفحص الخرائط الطرقية، يجد كل المدن مترابطة من الطريق، وإن لكل مدينة طريق، فمن الطريق تتواصل وتعمر كل المدن كما تنتشر من داخلها المدارات من شوارع وأزقة، في شكل طرق حضرية تعج بالحركة المدنية،
ومن طرق الروم تنطق اللغة بالقول كل الطرق تؤدي إلى رومة، وعلى ذات النحو تؤدي كل الطرقات إلى كل المدن، فإن تسلك أي طريق داخل المجتمع توصلك لأي مدينة من مدنه، إذ تأتيها من طريق وتتجول فيها من كل اتجاه وطريق .
لذلك نشأت وجاءت كل مدينة من موقع على الطريق، وصارت المدن مترابطة الشبكة من الطرق، ومن ثمة شكلت الطريق حبل الوريد للمدينة من محيطها الاجتماعي، وشريان فضائها الحضري من حياة عموم الساكنة .
ومن الطرق كانت المدن محروسة بالأسوار، يوم كانت مطبوعة بالمحلية، من فضاءات معزولة كما في الحضارة اليونانية، و من العصر الزراعي على عهد قوافل المقايضة التجارية، وهو ما افتقدته المدن الاسمنتية من عهد العصر الصناعي والانتشار القابل للتمدد من المجال العمراني .
تركيبة المدن بالمغرب :
برزت المدن بالساحة الاجتماعية للمغرب، من طابع تاريخي وحضري بالشكل الذي يميز سلطان الدولة، من الوجهة الدينية والمدنية القائمة على الحياة الجماعية من العمران الحضري والنظام الاجتماعي، توحده العقيدة ويحكمه المذهب على نحو ملتئم الشأن مع حياة الامة .
ومن الوجهة الحضرية تتميز المدينة بالبنيان الذي تحيط به الأسوار وتعلوه الأبراج التي تحرس الحياة المدنية من أعلى، والأبواب من أدنى والتي تحكم مداخل المدن وأسواقها، ومجالات الحياة الجارية من وسطها، فضلا عن المعالم والأماكن الدينية التي تعرف بطابع أهلها الأخلاقي والتاريخي والحضري .
والمدن بالمغرب تتخذ أحجاما من عدة أشكال منها المدن الكبرى ذات الحمولة التاريخية، والطابع الاجتماعي من العلاقة العامة والخارجية، والمدن المحلية التي تكتسي طابع الجهوية للحياة القروية، تعرف من أسماء قصبة، قلعة، حصن، نزالة .
المدن التاريخية :
تنسب المدن التاريخية إلى عهود الاسر الحاكمة من الحقب السلطانية المحروسة، التي أسست لبناء الكيان الاجتماعي من فترات عمران الحواضر العتيقة، التي تخلد مآثرها الذكر لكل أسرة حملت لواء الشأن المجتمعي، وصارت على درب صيرورة مجده التاريخي .
ومن الحواضر العتيقة، مدينة فاس التي يعود تأسيسها إلى دولة الأدارسة من علويي الشرق، وأندلسيي الغرب، ثم مدينة مراكش التي أسسها المرابطون والموحدون من رباط جامع لمتونة بالأطلس الكبير، ومدينة الرباط التي تأسست عهد الدولة الموحدية، ومن العصر المريني تم تأسيس مدينة سلا، وتميز عهد دولة السعديين بتأسيس مدينة تارودانت الحصينة، وعلى عهد الدولة العلوية جاء تأسيس مدينة مكناسة التي انتقل إليها الملك من سجلماسة .
ومن هاته المدن التاريخية التي انتشرت بين السهل والجبل والساحل، تميزت مدينة فاس بتركيبتها الحضرية من عدوة الاندلس وعدوة القرويين، ومدينة الرباط وسلا من موقعهما على ضفتي أبي رقراق باسم العدوتين .
وهي مدن حضرية داخل الأسوار العالية من معمار عتيق ومعالم اسلامية ذات تاريخ هجري من التأسيس، ذي طابع محلي من التقويم القمري، تجمع بين التراث المادي واللامادي للإنسانية، من العصور الزراعية، بينما يحيط بها من مجال خارج الأسوار المعمار المعاصر الحديث، الذي ينسب مجاله إلى أخذ المجتمع بالتاريخ الشمسي والتوقيت الإداري، الذي يتأقلم من العلاقات الاجتماعية مع المسار الدولي.
المدن المحلية :
هي مراكز حضرية عتيقة، ذات خصوصية محلية في شكل قصبات من مناطق ساحلية أو سهول زراعية، أو قلاع وحصون دفاعية من مجال حواضر تاريخية .
وهي من امتداد نفوذها الترابي مراكز مدنية ذات طبيعة جهوية بالمناطق القروية، كما أنها ذات بنيان عتيقة المعمار تحيطها الأسوار وقد لا تتعدى أبوابها المدخل الرئيسي، والباب العمومي للساكنة، ولا يختلف عمرانها عن عمران الحواضر، وهي مراكز تسوق جهوية ومبادلات تجارية بالبضائع المحلية ترتبط اداريا بالحواضر الكبرى، ومحليا بالنشاط العام للساكنة .
واشتهر من قصبات الحواضر التاريخية، قصبة الأودية الموحدية من الرباط، وهي بمثابة قرية للصيادين من مصب النهر وعرض البحر، وقصيبة النحاس من مراكش، نسبة للجوقة النحاسية الخاصة بحرس الشرف من عهد الدولة السعدية .
غير أن هناك مواقع من الطرق عهد القوافل التجارية، تحمل اسم – النزالة – منها من نشأت من موقعها مدن كنزالة مدينة سطات من سهول الشاوية .
النزالة :
هي من الاصطلاح العام محطة نزول أحمال القوافل من الرفد، ومكان المبيت من عابر السبيل بالحمولة من قوافل البضائع المستوردة والمصدرة .
ومن محل آخر هي دلالة مكان مسمى من لسان الساكنة على مواقع ومحطات طرقية عهد قوافل البضائع التجارية من العصر الزراعي، تقع على الطرق الرئيسية للقوافل يحكمها نظام المراقبة الطرقية، والسلامة المرورية وتوفير المأوى للقوافل والحاجيات من الماء والأعلاف وحراسة البضائع العابرة للمجال كما تشكل النزالة محطة وملتقى طرقي لعدة اتجاهات نحو الحواضر الكبرى أو المراكز القروية من قصبات أو قلاع او حصون .
واشتهر من مواقع طرق قوافل العصر الزراعي التي تطورت إلى مدينة حديثة، القصبة الاسماعيلية من عهد العلويين، وبعد نهاية عهد إسماعيلية البواخرة أخليت القصبة وأصبحت مكانا مهجورا، ووكرا لأسراب الحمام البري المعروف من اسم حمام الزطوط .
وعهد استعادة نشاطها من القوافل التجارية، عرف الأشخاص الذين يسهرون على أمن القوافل من الطرق البرية باسم الزطوط وهم خدام الطرق بالأتعاب التوافقية من ارتباطهم القار بالقوافل كالحمام الملازم لجحور البنيان من المكان .
ومن ثمة انحدرت القصبة التاريخية إلى نزالة، ثم تطورت عمرانيا إلى قرية، وتدرجت إداريا إلى مركز حضري، ثم أصبحت مدينة إقليمية حديثة ومعاصرة، تشتهر بالمزروعات الموسمية من الفلاحة البرية، وتحسين نسل الأغنام الساحلية الرطبة من السلالة السردية .
نزالة زطاط :
ينحدر أهلها من بني هلال وينسبون إلى الزناتيين من بني مرين عهد نزولهم إلى فاس وامتداد نفوذهم من جامع القرويين إلى جامع الزيتونة، حيث كانت تجارة القوافل هي المورد الرئيسي لاقتصاديات المجتمعات الزراعية عهد الزناتيين .
والزناتيون أهل طرق القوافل التجارية من البلاد المغاربية، شكلت نزالة زطوط الحمام أو زطاط من القصبة الاسماعيلية، محطة تجميع البضائع التجارية التي تأخذ طريقها وجهة الساحل البحري من التصدير، والبضائع الساحلية المستوردة التي تتخذ وجهة الجهات البرية من المناطق الداخلية للبلاد .
وكانت محطة النزالة محاطة بالأسوار وبمثابة ميناء بري لتنظيم الصادرات والواردات من البضائع، كما كانت تجاويف بناء أسوار النزالة تشكل وكر عش ملائم لتكاثر حمام الزطوط البري، ومنه عرف أهلها بالزطط، أي رجال البراري العارفين بالمسالك الطرقية والوجهات البرية من السهول والمرتفعات الجبلية .
وعهد تطور الحياة الاجتماعية والانتقال من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي، ارتفع مستوى النزالة إلى مستوى قرية زراعية، ثم إلى مدينة معاصرة تعتمد على الفلاحة الموسمية من موقعها بالسهول الخصبة الغنية بالرطوبة البحرية .
ومن نسبها إلى الزناتيين تقع منطقة زناتة من محل تامسنة عهد اللمتونيين، بين سهول زعير وتادلة والحوز والمحيط الأطلسي، وقد انتهى عهد محطات النزايل مع بداية الحقبة الاستعمارية، وتحكم الاوربيين في التجارة المحلية والدولية بالطرق المواكبة للتطور والتجديد والمنافسة من الانتاج والتوزيع والتسويق والتصدير .
وعهد الاستقلال أصبحت البلاد المغربية من نعت آخر بالنظام الاجتماعي من حيث الاصلاح الاجتماعي، وتدبير الشأن العام بالنهج الديمقراطي، وملائمة قانون المؤسسة مع النصوص الدستورية .

عن jamal

شاهد أيضاً

المتهور في السياقة يتسبب في حوادث خطيرة

المواطنة المغربية : بوشتى جد لاحديث بين الناس وداخل الاوساط الإعلامية إلا عن فيروس كرونا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *