الرئيسية / اقلام و اراء / الرجال لا يبكون

الرجال لا يبكون

المواطنة المغربية بقلم : محمد حسيكي

ذاك هو الجواب الصائب من التربية الشافية التي تعلمتها من والدتي، يوم كنت على حالة الفطرة وحاجتي إلى التعلم والتربية المستقبلية، إذ الأم هي المعلم الأول للناشئة عند الانسان والحيوان، الانسان الذي يتعلم حياة المهد من الام، وحياة المقارنة من الجيل القرين والمعاصر له، والحياة المستدامة من الاب والبيت الاجتماعي، الذي ينعم بالتربية في كنف الجماعة، حيث كانت الحياة وقتها تدور في كنف الاهل والجماعة، بينما المجتمع لازال في كنف الذاتية، ونكران الذات من التمسك بالتقاليد الاهلية.
التربية الاولية :
قبل سن التمدرس كانت الحياة التربوية والتعليمية للناشئة الاجتماعية تبدأ من التعليم الديني من جامع الجماعة، الذي يحضر البنوة للحياة التعليمية المستقبلية، وعهد ابنائنا دخل الروض الخاص بتربية الاطفال شريكا تربويا وتعليميا من الساحة الحضرية .
ومن ذاكرتي بالحياة التمهيدية يوم أخذت والدتي بيدي نحو جامع الحي الخاص بالتعليم الاولي، بعد أن وضع والدي 20 سنتيما لأسلمها علاوة مبدئية، للعهد التربوي إلى الفقيه المعلم .
وحين أخذ الطريق من البيت رفقة والدتي، اقتنت من دكان الدرب بيضة دجاجة، أتممنا على إثرها الطريق إلى الجامع نحو مدخله الرئيسي، حيث وضعت البيضة في يدي، ونبهتني أن أقبل يد الفقيه كما أقبل يد والدي، وأسلم له البيضة باليد، كي يعلمني القراءة ويعاملني، معاملة الابن من التربية والعلم .
وهكذا بدأنا حياتنا التربوية والتعليمية، وهي في مدارج التطور بالمجتمع مع الأجيال من تطور الحياة العامة بالنظام الاجتماعي، الذي تطور من المحلية عهد الحجر والحماية، إلى الحياة الاجتماعية والمكانة الدولية .
التحول التربوي للطفولة :
حين يخرج الطفل من البيت إلى الساحة الاجتماعية، يكون لذلك الخروج أثر من التحول على عقله وسلوكه وتربيته، وتطوره من حياة البيت، إلى الحياة العامة خارجه .
ذلك أنه حين يشرع الانسان في تعلم القراءة والكتابة، فإنه يدخل المهد العلمي، الذي يكيف حياته وتربيته وسلوكه مع مناهج الحياة التي تحقق له المنفعة الذاتية، والاجتماعية التي يكتسب منها الحياة العامة .
فسحة من واقعة :
ذات يوم من أيام القراءة كنا وكما جرت العادة، نشتغل مع الفقيه في تعلم القراءة والكتابة بالجهر والالحاح بالتلويح من عصا اليد على رفع الصوت من القراءة، فإذا بالساكنة من الجوار تتقدم جماعة، في طلب ملح على حضرة الفقيه، لوقفة معهم وفض نزاع بإخماد فتنة، وتهدئة الأحوال بين متشاجرين من ساكنة الدرب
وحينها أمرنا الفقيه بوضع الألواح من مكانها والخروج وجهة بيوتنا، بدأنا نتسارع والفرحة تغمرنا، لأننا خرجنا قبل الوقت المحدد .
وبعد خروجنا من بوابة الجامع، وجدنا الجموع تضرب الحلقة حول إصابة أحد المتشاجرين، من ضربة عصا انفلق منها رأسه سيلا بالدم، وهو مطروح ارضا ومتكئ من مسانديه على حائط الجامع، بينما الذي أصابه راح وجهة بيتهم، يتوعد الضحية اكثر مما ألحق به، و الحجارة تطارده من شقيق المتفلق، وهو في حالة هيجان عن الحالة المتردية التي لحقت بشقيقه .
وقفت عيني على ذلك المشهد، وكنت أدرك أن ما يجري على الصغار، ما آنفك يجري به الحال من الكبار، جريا على حياتي من أحاسيس، تجري وقتها على العموم لا فرق بين صغير وكبير .
إذ حين عدت إلى البيت، وحضرت إلى جانب والدتي بدأت تستفسر حضوري، عن سبب مجيئي إلى البيت قبل الوقت المعتاد، رحت أقص عليها مشاهد الواقعة، والتي من نافلتها، قولة : أمي الرجل لا يبكي ᴉ يسيل دما من ضربة عصا على رأسه، ولم تدمع له عين من الضربة ᴉ فعقبت من عقلنة على كلامي من الفطرة، وعلمتني، أن الرجال لا يبكون يا ولدي .
وحين تدرجت في الحياة، تدرجا مع الزمن، أدركت أن الاطفال يصرخون ويبكون من صغر سنهم، وأن الرجال يهمسون إلى بعضهم ويصبرون على ما في أنفسهم، ولا يبكون إلا حين تضيق صدورهم ويشتد الحال على صبرهم .
العرب والرثاء :
يعتبر الرثاء فنا ادبيا في حياة العرب، نقيضا للبكاء، بل حل في حياتهم من محل البكاء، وإن اعتبر رثاء العرب للأماكن التاريخية التي تعيش حالة رثة من الاهمال عن حال مجدها أيام الحضارة، بكاء على الأطلال، يذكر الأجيال بزمن أكل عليه الدهر وشرب، ونسيته الأجيال من حياة تحيا عليها .
وكان الرثاء بالمغرب إلى عهد أول من استقلال البلد، يعتبر من الادبيات التي تخلد ذكر المرء، والتي تلقى على الاسماع، اعتبارا لفقدان شخصه، ومكانة ذات أثر من وسطهم الذي يتأسى من الفراق .
وعند الأهالي المغاربة، الرثاء الشفوي من الأدب العفوي المسموع على لسان المرأة، وهو نقيض البكاء، يعبر عن أثر النفس من مآثر الشخصية، كالأثر المسموع حين فقدان المغفور له الملك محمد الخامس :
سيدي محمد يآلمير * * * يآبو جلابة حرير
يالي مخلي دارو خاوية
وهو رثاء مفارقة الشخصية الحياة من محل البكاء، والعرب تقول بالرثاء وتعتبره ادبا اعتباريا، وإن كان ادب العصور الموالية يعتبرونه بكاء، على المآثر الانسانية التي تجلت في الشخصية والتي لها وقع حسي من الأثر على النفس .

عن jamal

شاهد أيضاً

المتهور في السياقة يتسبب في حوادث خطيرة

المواطنة المغربية : بوشتى جد لاحديث بين الناس وداخل الاوساط الإعلامية إلا عن فيروس كرونا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *