الرئيسية / اقلام و اراء / وحدة اليسار المغربي التي تأتي و .. لا تأتي!

وحدة اليسار المغربي التي تأتي و .. لا تأتي!

المواطنة المغربية : الصادق بنعلال

يشكل الخروج الإعلامي الأخير للسيدة نبيلة منيب ؛ الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد عبر برنامج “مواجهة للإقناع” (مدي 1 تيفي) موعدا آخر ضمن المواعيد الضائعة والفرص المهدرة لممثلي ” اليسار” المغربي ، لقد بدت السيدة نبيلة في وضع مثير للشفقة ، فلا هي أقنعت السيدات والسادة المشاهدين بمرافعتها المهزوزة ودفاعها المخيب لأفق الانتظار عن “فدرالية اليسار الموحد” ، ولا هي تمكنت من بنينة نسق حجاجي ، يروم صون ماء وجه بعض المناضلين اليساريين المغاربة المحترمين ، مما يحدو بنا إلى الحديث وإعادة الحديث عن جراح وآلام اليسار الوطني الذي نريده موحدا منظما منسجما !
1 – من تحصيل الحاصل القول إن مسعى بناء تجربة سياسية حديثة ، تستند إلى مستلزمات المنجز الديمقراطي الكوني يستدعي حزمة من الإجراءات و الآليات المحورية ، من قبيل وجود هيئات حزبية وطنية مستقلة ، تحمل مشروعا مجتمعيا و برنامجا واضح المعالم ، يأخذ بعين الاعتبار إحداثيات المسار السياسي العالمي و الخصوصيات السوسيو ثقافية العربية الإسلامية . فعلى الرغم من التطور العميق و المؤثر الذي أصاب النسق السياسي التقليدي ، إلا أنه مازال عندنا متسع من الحديث عن جاذبية مفهومي اليسار و اليمين ، وعن إمكانية استمرارهما في المنافسة المشروعة ، من أجل بلورة منظومة سياسية قادرة على التعاطي الراجح مع قضايا المجتمع ومتطلباته ، خاصة و أن صيحات طفقت تعلو هنا و هناك تدعو بحماس تارة و باستحياء تارة أخرى ، إلى رص صفوف الأحزاب اليسارية و جمع شملها و إغناء إمكاناتها ، من أجل مواجهة الخصم اليميني “الليبرالي والإسلامي” ، و إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية النبيلة التي طالما ضحى من أجلها رواد الفكر السياسي “الاشتراكي” على وجه الخصوص ، و العمل من أجل تجسيد “المشروع المجتمعي الحداثي” . فإلى أي مدى يمكن الزعم بوجود كيانات يسارية قوية في المغرب ، قادرة على كسب الرهان في الاستحقاقات الوطنية ، و مستعدة “لمصارعة” منافسيها ذوي النزعات العلمانية و الدينية ؟ و الذود عن أحلام الشعب وتطلعاته نحو “إقلاع النموذج التنموي الجديد” ؟
2 – لقد شهد المغرب قبيل و بعد الاستقلال حضورا فعالا “للعقيدة” اليسارية ، تمثلت بشكل محدد في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، ثم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، فضلا عن إطارات أخرى مثل منظمة العمل الديمقراطي . و الحق أن مناضلي و زعماء هذه التشكيلات السياسية لعبت دورا محترما إلى جانب مكونات وطنية أخرى ، في تحديث المجتمع وتطوير بنياته الاقتصادية و الثقافية و الاجتماعية ، و المساهمة في نشر القيم الإنسانية الرفيعة ، في مناخ لم يخل من تجاذب و استقطاب عنيفين ، و هل يمكن أن نتجاهل تضحيات و نضالات عبد الله إبراهيم و عبد الرحيم بوعبيد و الفقيه البصري و عبد الرحمن اليوسفي و محمد بن سعيد آيت يدر .. من أجل مغرب العدالة و المساواة و الحرية ؟
3 – لكن و تحت ضغط عوامل موضوعية خارجية وأخرى ذاتية داخلية ، أصيب اليسار المغربي بفيروس الانشقاق و التشتت ، فأصابه الوهن و أحاط به الضعف من كل جانب ، وإذا ألقينا نظرة خاطفة على نتائج الانتخابات الجماعية والبرلمانية السابقة ، ألفينا أحزابنا الاشتراكية العتيدة تتذيل لائحة المنافسين ، و تتجرع مرارة المراتب المتدنية . فما الدواعي الحقيقية التي كانت وراء هذا المصير غير المقبول وهذه النهاية المأساوية ، لأقطاب طالما أصرت على خيار التضحية من أجل وطن التقدم و الكرامة الإنسانية ؟ دون أن نقلل من شأن تدخلات و تأثيرات السلطة في سنوات الجمر الرصاص ، فإن العوامل الذاتية كانت أقوى و أشد . و مما يثير انتباه المهتم بالشأن السياسي المغربي هو عدم اهتمام الأحزاب اليسارية المعنية بالأمر، بالتأسيس لثقافة الفكر الحديث ؛ الداعية إلى الانفتاح والتعددية وقبول النقد الذاتي و الخارجي ، و رفض تبجيل “الأخ الكبير” أو الزعيم الرائد ، و تجديد القوانين الداخلية و تطعيمها بما استجد في عالم السياسة الحافل بتطورات غير منتظرة ، و العمل المتواصل على البحث عن الكفاءات وأصحاب الخبرة في مجال الثقافة و الاقتصاد و السياسة .. بل من المدهش و المقلق جدا أن نرى زعماء طاعنين في السن مازالوا على رأس أحزابهم ، دون أي رغبة في تسليم المشعل للأجيال الجديدة الحاملة لتصورات و آراء و برامج ، تنسجم و منطق القرن الواحد والعشرين . و لعل الهوان الذي ران على الجسد اليساري يعود بالدرجة الأولى إلى شلل في الاجتهاد و عقم في الطاقة الاقتراحية و تمسك مأساوي بالكرسي ، حتى و لو كانت السفينة بصدد غرق لا غبار عليه !
4 – و بالتالي فإن أي نهوض يساري في المغرب رهين بإحداث تغيير جذري لا يقتصر على المطالبة الموسمية “بالانفتاح و المصالحة والتضامن” داخل القاعات المغلقة ، و لا بالدعوة هنا و هناك لتوحيد الصفوف من أجل النهضة و الحداثة ؛ بعقل غير ناهض و لا حديث .. بل إن الشرط المحوري لأي انطلاقة فعلية و بناءة ليسار وطني واعد و منتج ، تتجلى في رأيي الشخصي في عدد من المحددات أقلها :
أ – عقد لقاء تاريخي مفصلي يشمل كل الهيئات السياسية اليسارية “الكبيرة” و الصغيرة ، للتداول في القضايا المشتركة الأيديولوجية والتنظيمية والنضالية في روح من التآلف و الوئام ، مع القطع مع لغة التعالي والأستاذية والإملاء الفوقي المتقادم .
ب – انسحاب طوعي و دون ضجيج لكل “الزعماء” الراهنين و خاصة الشيوخ منهم ، و إعداد المناخ الملائم لجيل الثقافة الجديدة ووسائل التكنولوجيا الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي ، وتكليف ذوي الكفاءات و تحميلهم مهام المسؤوليات العامة ، بعيدا عن مسلكيات القرابة و أخواتها .
ج – التشبع بالقيم الديمقراطية الكونية بحصر المعنى ، لأنه لا يمكن السهر على بلورة مطلب عزيز وغال في المسيرة التاريخية للأمم و الذي هو الانتقال الديمقراطي ، بذهنية تنزع نحو خدمة المصالح الخاصة والضيقة ، و هل يمكن ضمان تجربة حكم ديمقراطي راشد بخلفية الاستبداد و الإقصاء و التسلط والانفراد بالتدبير ؟
د – الانشغال بهموم المواطنين ومشاكلهم الحياتية الملموسة ، من تعليم وصحة وسكن و إصلاح إداري و تحسين المعيشة و العدالة و الحرية و الكرامة الإنسانية .. و باقي مكونات بنية “الفلسفة اليسارية” ، دون الاقتصار على “الانفتاح” على قضايا غير مطابقة للواقع المجتمعي ، و بعيدة كل البعد عن آلام الشعب و جراحه و تطلعاته .
ه – ضرورة خلق التوازن المطلوب بين الانفتاح المشروع على التطورات الحضارية الكونية العامة ، و احترام الخصوصيات المجتمعية و الثقافية للأمة ، كل ذلك مع التمسك اللامشروط بالمواثيق والأعراف والاتفاقيات الدولية والقوانين المنظمة لحياتنا المجتمعية . بهذه الخطوات الثورية و ليس بغيرها ، يمكن أن تعود لليسار المغربي حركيته و فعاليته و أنفته من “أجل المساهمة الفاعلة في ازدهار البلاد وصناعة مستقبل أفضل” !

عن jamal

شاهد أيضاً

“خطاب الرئيس عبد المجيد تبون إلى الأمة الجزائرية”

المواطنة المغربية : الصادق بنعلال                     …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *