الرئيسية / اقلام و اراء / الحركة والسكون.

الحركة والسكون.

المواطنة المغربية : د. محمد الصفاح

إن الله سبحانه وتعالى فد خلق الإنسان ليكد ويجتهد ويتعب. وعقب فعل النصب والتعب يحل السكون زمن خلود الإنسان إلى الراحة استعدادا للتعب من جديد. وعليه, فالعمل حركة, وتوقف الحركة سكون, إذ هما اساس الوجود, وبانتظامهما يتحقق توازن الحياة.وحينما تكون الحياة حركة مستمرة لايعقبها سكون, تكون بذلك جحيما مدمرا للإنسان. وللعلم , فقد ارتبط توازن الحياة بعامل الزمن الذي ينقسم بدوره إلى:
1-الحركة: وتقوم على فعل الإبصارالمرتبط بالنهارحيث انتشار الضوء , اوالضياء.
2-السكون:ويرتبط بالليل,حيث انعدام الرؤية , وانتشار الظلام.وعلى هذا الاساس فالحركة والسكون فعلان يتحكم فيهما عامل الزمان المنشطر إلى زمنين: (الليل والنهار). إذ بهما يتحقق توازن وجود الإنسان في هذه الحياة, وهما ايتان من ايات الخلق . يقول لله سبحانه وتعالى: (وجعلنا الليل والنهارايتين فمحونا اية الليل وجعلنا اية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا)1 ويقول ايضا: (ومن اياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لايات لقوم يسمعون)2.ويقول سبحانه: (وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا)3. الم تدرك ايها القارئ الفاضل بعد هذا القول الحكيم ان الليل والنهارايتان تتحكمان في الحركة والسكون اساس استقرار حياتك وحياة الناس والعالمين اجمعين.إن هذه الثنائية الضدية تعتبر قاعدة واساس الوجود.ولإبرازحقيقة الحركة والسكون واثرهما النافع على حياة الإنسان وحياة الكون يضرب الله مثلا في صيغة سؤال مباشرموجه إلى اولئك الذين لا يلتفتون إلى نعمة الحركة والسكون , المرتبطين بالليل والنهار, ولا يقدرونها حق قدرها.يقول الله عز وجل: (قل ارايتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله ياتيكم بضياء افلا تسمعون قل ارايتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من اله غير الله ياتيكم بليل تسكنون فيه افلا تبصرون)4. إنهما سؤالان بثيران الخوف في القلوب ويجعلان كل متلق لهما ذي عقل وبصيرة يتدبرهما بعمق ويتخيل بعقله إن استطاع إلى ذلك سبيلا الصورة التي تكون عليها الحياة خارج نطاق وحدود الحركة والسكون. إنه استفهام إلهي يتضمن التهديد , والوعيد, والتخويف قصد التدبر وبعمق حقيقة مشهدين متناقضين:
*حياة تقوم على نظام الحركة والسكون, وهي الحياة التي ينعم بها الإنسان , إلا انه لاينتبه إليها , وهذا امر قائم , فمن منا يدرك حقيقة الحركة والسكون , وقيمتهما كنعمة تستحق شكر المنعم.إنها الحقيقة العميقة المراد إيصالها إلى معشر الغافلين.
*حياة لاتقوم على نظام الحركة والسكون, ولعلها حياة لا يستطيع عقل بشر مهما تخيل واجتهد ان يحيط علما بحقيقتها . لكن المعلوم والمؤكد انها ستكون حياة تقوم على نظام من نمط جديد لا طاقة للإنسان والحياة , والكون برمته به. إلا ان كرم الله سبحانه وتعالى وافضاله على الإنسان ان جعل الحياة مبنية على نظام الحركة والسكون, باعتباره النظام الامثل لاستقرار حياة الإنسان.يقول الله سبحانه وتعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهارلتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله لعلكم تشكرون)5.يبدو ان هذه الاية تحمل بشرى من رب رحيم كريم للإنسان مفادها ان الله سبحانه وتعالى وبرحمة منه جعل حياة الإنسان تقوم على الحركة والسكون المرتبطين بالليل والنهار, إذ بهما يتحقق الإستقرار, كما تتحقق السعادة التي ارادها الله سبحانه وتعالى لعباده.ولو اراد لهم الشقاء, لجعل عليهم الليل سرمدا, مستمرا ظلامه , ولجعل عليهم النهار سرمدا مستمرا ضياؤه , وحركته. ولعله امر يقتضي من الإنسان الشكروالتقدير لإله انعم على عباده بكثير من النعم, ولكن اكثر الناس لايشكرون , وبنعمه يجحدون.وليعلم الإنسان ان كثيرا من اي القران الكريم ترتبط دلاليا بالحقائق التالية:
-إسعاد الإنسان ,وذلك من خلال توفير الشروط الضرورية لتحقيقها , والتي لولا شرط الحركة ,والسكون لما نعمت الحياة الدنيا واهلها بنعمة الإستقرار.
-الشكر:اي اعتراف المنعم عليهم بنعم الله , والإقرار بوحدانية الله وعظمته.
-الإعتبار: ويقتضي تدبر الإنسان بعقله وجنانه حقيقة الوجود الذي يعكس قدرة الله عز وجل وعظمته , باعتباره الصانع المتقن لكل شيء. ويعد الإعتبارمن الفضائل والقيم التي يؤكد عليها النص القراني الحكيم. وذلك لان الإعتبار هو الالية التي تقرب الإنسان من الحقائق الكونية الدالة على وجود الله, وذلك عبر التدبر , والتفكر,والنظر.وعملا بمبدإ الإعتبار وربطه بحقيقة نظام الحركة والسكون, فينبغي ان يتجلى بمظهرين اثنين:
*المظهر الاول: ويقتضي من الإنسان ان يجعل حياته تسير وفق الحركة والسكون المرتبطين زمنيا بالليل حيث السكون والخلود إلى الراحة. والنهارحيث الحركة , والإنصراف إلى كسب المعاش.ويؤدي اتباع هذا النظام الكوني الوجودي الطبيعي حتما إلى الإستقرار النفسي والإجتماعي للإنسان.يقول الله سبحانه وتعالى: (من اياته جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن اكثر الناس لا يشكرون)6 إن الإستقرار النفسي والإجتماعي كقيمة نفيسة قد فقدت لدى كثير من الانام وذلك بسبب تمردهم على نظام الحركة والسكون , فاختل بذلك نظام الحياة فاصبحت جحيما يحرق لهيبها الافراد والمجتمعات ,إذ زحفت , وكما تؤكد الدراسات , على الإنسان العديد من الامراض من كل حدب وصوب , فاصيبت الاجسام بالاسقام وذلك بسبب السهر بالليل والنوم بالنهارعكس الطبيعة البشرية المنسجمة ونظام الحركة والسكون.وتفيد الدراسات المرتبطة بالشان الصحي ان العصر الرقمي زمن الامراض الناجمة عن التعرض المستمر للضوء الصناعي , وعدم الخلود إلى النوم , والركون إلى الظلام , مما يسبب اضرارا كبيرة تعصف بالقدرات العقلية وكل اجهزة الجسم.كما اجتاحت العلل النفوس ايضا فجادت بالازمات النفسية التي زادت من مشاعر القلق والتوتر المؤدية حتما إلى الإصاية بمرض الإكتئاب الذي تعاظم شانه بين الامم ,وذلك بسبب الحياد عن نسق , اونظام الحركة , والسكون الذي حافظ على استقرار حياة اجيال متعاقبة خلت.
*المظهر الثاني: وينبغي ان يتذكر الإنسان دوما ان حياته ترتبط ارتباطا وثيقا بالحركة التي تتجدد مع كل يوم , وليعلم ان هذه الحركة تولد بميلاد الضوء , وتتوقف بغياب او موت الضوء. ولذلك ينبغي ان تستثمر هذه الفترة الزمنية القصيرة جدا الممنوحة للإنسان مرة في اليوم , في صالح الاعمال والافعال.هذا ومن خلال قراءة سلوك الإنسان يتبين جليا ان هذه الفرصة الزمنية العابرة قد حولت من قبل عدد كبير من الناس إلى فترة سكون خالية من اي منجز يعود عليه وعلى غيره بالنفع , والفائدة .وهؤلاء قوم زاغت ابصارهم عن ايات الله وعن السبيل هم ناكبون . يقول الله عز وجل: (وكاين من اية في السماوات والارض يمرون عليها وهم معرضون)7.إن رسالة الإنسان في الارض ترتبط ارتباطا وثيقا بفعل الإنجاز, الذي ينبغي ان يكون خيرا كله يصيب نفعه بني ادم كافة.وبمعنى اخر,فالمطلوب من الإنسان ان يواكب حركة الحياة بفعل التصحيح والإصلاح , والبناء , والإعمار, على اعتبار انه فعل إنساني ينسجم وروح الرسالة الكامنة في ظاهر الحركة , وباطنها , القائمة على فلسفة التعب , والنصب , قصد إعمار الارض وذلك وفق المنهج الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده.
فباسم الحرية , والحداثة, والضرورة , والإكراهات امتدت إرادة الإنسان للعبث بالنظام الفطري للكون , فانقلبت في اذهان الناس الحركة إلى سكون ,والسكون إلى حركة. فاختلت بذلك الحياة التي خضعت لنظام جديد انتج ما بات يعرف بالمدن التي لاتنام , والإنسان الذي لاينام , إلى غير ذلك من المظاهر التي اسهمت إلى حد بعيد في صناعة ثقافة جديدة تحرص على تغذية ازمات نفسية , واجتماعية عميقة عصفت باستقرار المجتمعات البشرية.يقول احد الخبراء في مجال علم الإجتماع: (إن الإختلالات النفسية والإجتماعية العميقة التي يبدو ان لكل مجتمع نصيب منها,ماهي إلاانعكاس واضح ومباشرللتغيير الذي احدثه ابناء هذه المجتمعات فيما يخص الفطرة الكونية المتمثلة في نظام الحركة والسكون.إذ انقلبت الحركة إلى سكون , والاخير,إلى حركة. فقد استبدل الإنسان نظاما اوخلقا اصيلا فطريا بنظام مقلوب انحرف بالحياة عن نظام التوازن , والإستقرار, والإنتاج, والفطرة, إلى نظام اللاتوازن واللااستقرار, واللاإنتاج , واللافطرة. إن الرشد الإنساني يقتضي ان يحافظ الإنسان على اصالة , وفطرة الحقائق الكونية بهدف المحافظة على توازن واستقرار الحياة.)
1-سورة الإسراء : الاية: 12
2-سورة الروم: الاية:22
3-سورة النبا: الايات:9-10-11
4-سورة القصص: الايتان:71-72
5-سورة القصصر: الاية:73
6-سورة غافر: الاية:61.
7-سورة يوسف: الاية:105 .
د. محمد الصفاح.

عن jamal

شاهد أيضاً

“خطاب الرئيس عبد المجيد تبون إلى الأمة الجزائرية”

المواطنة المغربية : الصادق بنعلال                     …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *