الرئيسية / اقلام و اراء / التربية المستدامة

التربية المستدامة

المواطنة المغربية :د.محمد الصفاح

خلال خبراته المتراكمة،ومن زاوية علاقاته الإنسانية الأممية،لاسيما،ا لأممالمحتاجة،قد اهتدى إلى رؤية جديدة، أسست لنمط جديد من العلاقات الاجتماعية التي انتقلت من طورالاعتماد على الآخر إلى الاعتماد على الذات. إنها فلسفة اجتماعية جديدة بلورها الوعي الاممي منخلال صياغة إرادة جديدة، ترمي إلى بناء ألذات بالذات نقسها وليس بناء الذات بغيرها او بالأخر.
إنهاإرادة جديدة نبعت من صميم مفهوم جديد، ألا وهو مفهوم التنمية المستدامة،إذ يقوم ويتأسس على عمقإنساني جديد يتجلى في القيمة الإنسانية القاضية بجعل الإنسان رقم إنتاجي بلغة أهل ألاقتصاد أو قيمإنتاجية لها حضورها الفاعل داخل النسق الإنتاجي.
ولعله السلوك الذي نشده التدبير الاممي ، وحققه ،والرامي إلى نشر ثقافة التنمية بين الأمم ألمعوزة باعتبارها السبيل الأمثل أو القوة ، أو الآلية القادرةلى تحفيز ألذات وتحريك ميولاتها نحو تدبير أفضل لشؤون الحياة.وإذا كان الإنسان من منظور التفكير الاممي في حاجة ماسه وملحة إلى تنمية دائمة ، ومستمرة فيألزمان تثبت كينونته، ووجود وإنسانيته واستقلاله. وبما أن جوهر الكينونة يقوم على عنصرينمتلازمين، هما:
1-الإنسان كقيمة عليا.
2-التنمية كفاعل واجب الوجود لقيام الحياة. وللعلم فان هذا الإنسان بحاجة ماسة ،وملحة على نحوأخر إلى التربية المستدامة. ولما كانت التنمية المستدامة قوة تحقق الجانب البيولوجي للإنسان،فانالتربية ألمستدامة وفي ألمقابل قدرة تحقق الجانب الروحي السلوكي الأخلاقي للإنسان. وهما جناحان ،أو عاملان ،أو قطبان ضروريان لقيام ا لحياة بشقيها ألبيولوجي والوحي.
إن التربية إذن، قوة ، وقدره أو منظومة قيميه تهدف في ظاهرها ، وباطنها إلى تحصين الفرد منألانحراف والانجراف نحو ممارسات لا تتوافق وطبيعة الذوق الأخلاقي والاجتماعي. أم الدائمة ،فمعناها الاستمرار في الزمان دون توقف ، او انقطاع. لكن السؤال ألمطروح هل العلاقة منطقية ،وطبيعية في تركيبة مفهوم ؟ : التربية المستدامة. الجواب ، نعم وبكل تأكيد فالعلاقة في بعدها الدلاليتبدو طبيعيه ترسو على قاعدة التوافق ، والانسجام ذلك لان التربية كقيم حميدة ، ومن خلالالقراءة،والاستقصاءالميدانيين، تبين إن علاقتها ( القيم) بالزمن التربوي محدودة. كما إن دورها على مسرحالحياة لا يبدو فعالا، ومؤثرا كتأثير، وفعالية، وأهمية القيم المادية. والعلة تكمن في كون علاقة الإنسانبالقيم الروحية الضابطة للسلوك محدودة في الزمن.اذ تتجلى تجربة الاتصال بالقيم وتظهر في حياتهكمبادئ أولية ،منذ السنين الأولى،لكن سرعان ما يتحقق ألانفصال فتبقى بذلك التنشئة خارج دائرةتوجيهات رعاية ، وسلطة القيم ألروحية آلافي حدود ضيفة وهو أمر يتعارض ورغبة الإنسان الدفينة
التواقة دوما للخضوع ، والامتثال لصرامة سلطة القيم الفاضلة . وهذا يعني إن جوهر الإنسان ،وباطنه يمتلك القابلية المطلقة للخضوع لرقابة ، وسلطة و سلطة القيم ألفاضلة حتى وان استبدت بهالرغبات ، والنوازع ، و الميولات ، فيجنح أحيانا للتمرد عليها بقصد ، أو بدون قصد.وعلى هذا الأساس فان استدامة التربية تقتضي حضور البعد الزمني. بمعنى إن الإنسان، أو ألفرديتعين عليه أن يبقى على اتصال دائم، ومستمر بمنظومة القيم الأخلاقية، ولتربوية وان لا ينفصل عليهاتحت أي شرط من الشروط. إن أمر تثبيت الشيء، وترسيخ عناصره، يقتضي احتضانه واحتواؤه، زمنياعلى المدى ألطويل إلى أن يستقر وجوده، وتتضح معالم صورته في البنية الذهنية للآدمي.
فصورةالتربية تضمحل ملامحها الطفولية ، ويتهشم عودها ألغض وينكسر فور الانتقال إلى مرحلة الانفصال أيالانسلاخ ، وفك الارتباط التدريجي عن القيم ، والدخول المرحلة ،أو طور التنشئة الناضجة. وإبانها ،سيشرع المرء في التحرر من سلطة القيم التي قيدت حريته لمدة قصيرة من الزمن ، استطاع في أثنائهاأن يدرك وبشكل خجول طبيعة القيم ، وحقيقتها ، ودرها كمنظومة فاعلة في حياة الإنسان.
إذ تكتسي،وبصدق دورا عميقا، وصادفا يسعى ويهدف إلى جعل الإنسان قوة فاعلة قادرة على تحقيق تأثير محموديصيب إثره الطيب، وينسحب على الفرد، والجماعة.
ولعله شاو عظيم يرتبط ارتباطا لا يقبل الانفصام،بفاعلية ونخاعة القيم التي ينبغي، ويتحتم أن تكون اللبنة الأساس التي تقوم عليها حياة الإفرادوالجماعات. و إن تكون القطار الممتطى إبان الرحلة الشاقة، والطويلة بين دروب الحياة المادية ألقاسيةوالمعتمة. وللتوفر على هذا القطار الأمن والصالح للسفر، لابد من امتلاك الأسباب وتوفير الشروط
الضرورية ، المتمثلة في أسباب روحية ، أخلاقية تربوية ، بحتة . ألا وهي القيم الفاضلة ، الماثلة فيجوهر التربية الأصيلة ، والتي ينبغي إن تكون تربية مستدامة. وبمعنى أوضح ، تربية مواكبة،ومصاحبة ، تمتلك شرعية ألحسم والفصل ، المستمدة من ثالوث تربوي متكامل الأهداف ومترابط
الأدوار:
1الأسرة باعتبارها سلطة بيدها قوة التأثير على الفرد وتوجيه ميوله نحو اختيارات محدده وأهدافمعينة. إذ يكون الفرد في فترة التنشئة الطفولية ، ألنفسية والاجتماعية متعقلا أو أسيرا ، أو خاضعالمؤسسة الأسرة التي تغذيه بما تراه نافعا له. ولعلها الفترة المناسبة لتزويده بالزاد الأخلاقي، أو المادةالأخلاقية الفاضلة، كقاعدة أساس لوضع لبنة مشروع الشخصية الفاعلة، ألناجحة المواطنة.
2-المدرسة: المؤسسة الثانية، والقطب الثاني الذي يتسلم المشروع مضطربا، ومشوشا، ورخوا، يكونبحاجة ماسة ذخيرة، أو زاد تربوي روحي أخلاقي، يصنع منه شخصية روحية، قوية بالمبادئ، والقيم.
ولعله عمل يؤكد وبقوة دور المدرسة الهام ، والفاعل في بناء ، وصناعة الشخصية . إنها الوظيفةالمقدسة المنوطة بالمؤسسة إذ لا يمكن ووفقآراءالباحثينالتربويين،للمدرسة أن تكون ناجحة قيصناعة الإنسان الفاضل بعيدا عن سلطة الأخلاق. باعتبارها المادة الروحية القادرة على صناعةالإنسان وتحصينه في الآن ذاته.
وما النماذج البشرية من فئة العلماء ، والرجالات في شتى الميادينالذين احتفى بهم التأريخ جيلا عقب جيل إلا ،صناعة جبارة ، وفريدة من صناعة مدرسة القيم. التي ظلتحريصة، وبصدق على منظومة القيم التي كانت جزءا أصيلا من الإنسان وذلك لأنها قوتا مغذيا للنفوسبل كانت جزءا من الحياة التي لا تستقيم، ولا يقوم أمرها إلا بها.
3ألمجتمع القطب، أو الضلع ألثالث الواقع بين الأسرة، والمدرسة. انه السلطة الأقوى تأثيرا، وفاعليهوذلك لأنه يمتلك ( المجتمع) خطابا قويا نسيجه التواصلي، لغة ساحرة، قد تكون بانية وقد تكون هادمة،
على حد تعبير احد باحثي علم الاجتماع. يكون بانيا إن كان إلى جانب ألمدرسة والأسرة ، وتفاعلمعهما تكامليا وتشاركيا على تدبير الرسالة التربوية على قاعدة الحرص على سلامة ألقيم وصونها.
وذلك من خلال على حماية الأفراد، والجماعات من الانحراف، والانجراف. والعمل على تحقيق التوازنالمطلوب عقلا وشرعا. والذي لا يمكن أن يجد له سبيلا سالكا إلى حياة الإنسان إلا عبر القناة الروحية.
ويعرف احد المهتمين بالشأن التربوي معرفا القناة الروحية: ( واعني بالقناة ألروحية المحجبة الواضحةالمعالم،تضيء جوانبها ووسطها أنوار القيم الساطعة التي لا تنطفئ أبدا……) انه سلوك عقلاني،واجتماعي يتحقق من مجتمع ناضج ، ومسؤول يؤمن بالتفاعل البناء ، والتكامل الوظيفي الهادف إلىتشييد بناء اجتماعي متماسك ، يسهر على التدبير ، ويجتنب ، ويقرع التدمير. ولم لا والمجتمع( كياننفسي واجتماعيي وأخلاقي انه خبرات ثقافيه وإنسانية تتراكم عبر تعاقب الأجيال….انه قوة متصارعةتنزع نحو الشر لكنها قوة التربية تجنح نحو الخير……..انه نظام قوة تعيش في صراع دائب تتوق دومانحو الشر إلا أنها تلين، وتنقاد لسلطان ألتربية فتجنح بارتياح نحو الخير…….) إن الخير كانجاز عمليبناء يتعذر تحقيقه في مجتمع أناني يؤمن بالفردانينة، ويشتعل باستقلالية تامة وفق منظوره الخاصمعتمدا بذلك فلسفة اللامبالاة ، خارج صف الأسرة ، والمدرسة وبمعزل عن روح الشراكة ، متبنياخطابا خاصا بديلاعن خطاب الأسرة، والمدرسة، مكرسا بذلك سياسة الانفصال عن محيطه الاجتماعي. في حين يسهلإنجازه وتحقيقه في مجتمع يعتبر نفسه جزءا من نسق، أو من بنية اجتماعية كلية يتقاسم وأعضاءها مهامووظائف بناء الشخصية ألاجتماعية والفكرية والثقافية و قد نهلت من معين الأخلاق ألزلال وارتدت حلةالوقار والشموخ. انه مقام يمكن بلوغه بين أحضان ، ودفء وعطف مجتمع يحمل رؤية تكاملية نابعةمن فلسفة، وقدسية تربية مستدامة ، يتآزر أقطابها الثلاثة على إقامتها وتدبير شأنها وذلك على قاعدةالاتصال ، وليس الانفصال ، والاستقلالية .أي على الشراكة ألتربوية ذلك أن الأسرة تتحمل مسؤوليةزرع مكارم الأخلاق ، والمدرسة تنميها، ونرسخها والمجتمع يحرسها.
فما أجمل وأعظم أن تكون التنمية المستدامة عامل استقرار اجتماعي يضمن للإنسان كرامته، ووجوده الاجتماعي ككيان اجتماعي يشارك أخاه الإنسان في فضيلة البناء التي على أساسها نقوموتتمحور رسالة الإنسان ،كغاية نبيلة في الحياة. وما أعظم ، وما أجمل أيضا أن تكون التربية المستدامةعامل استقرار روحي وحداني يجعل الإنسان ينعم بالفضائل، ليتحلى بالسمو ألروحي والكمال الأخلاقي، ليتحقق التكامل المطلوب. انه ضرورة وجودية. ألا يمكن تحقيقه؟

عن jamal

شاهد أيضاً

النفاق الاجتماعي

المواطنة المغربية : الطيبي صابر الحياة نهر رقراق صاف يعكرها سوء العلاقات ؛ يدمرها الصديق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *